كيف نتذوق حلاوة الصيام

كيف نتذوق حلاوة الصيام

أبو عبدالله محمود أمين

كيف نتذوق حلاوة الصيام
كيف نتذوق حلاوة الصيام

الجزء الأول

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

كيف تعيش رمضان بإيمانياته؟ كيف يكون رمضان نقطة تحول في حياتك الإيمانية؟؟

كيف تجعل رمضان هذا العام غير كل الرمضانات التي صمتها من قبل؟ كيف..!!

كيف وأخواتها:

إن صحت هذه  التسمية فإن الإجابة على هذه التساؤلات بالفعل تجعل للصيام طعما جديدا ومذاقا خاصا -إن شاء الله تعالى-.

إنه ومع المداومة على العبادة عاما بعد عام تحولت في كثير من معانيها إلى روتين سنوي كالصلاة عند البعض روتين يومي!! فلم يعد يشعر لها بلذة ولم تعد تترك فيه أثرا! بل البعض ربما تزيده بعدا -والعياذ بالله تعالى-.

وحتى تكسر هذا الروتين وحتى تتذوق حلاوة الصيام تعالوا بنا أحبتي في الله إلى عناصر خمسة تكون -إن شاء الله- سببا في إنعاش القلب وإحياء الإيمان فيه مما يترك ويعود بدوره على الجوارح بالأثر الفعال والتغير الواضح.

المحولات العجيبة!!

عجيبة لأنها -بإذن الله- تحول العبادة إلى لذة.. إلى متعة روحية وسعادة يؤديها العبد وهو ذائق للذتها، شاعر بثمرتها، وبالتالي فلا يمل منها، بل يشتاق إليها، لسان حاله: أرحنا بها لا أرحنا منها.

ولست أدعي أنني أتيت بما لم يأت به أحد قبلي، وإنما هي وسائل مستفادة من التكرار السنوي لهذه العبادة مع التوقف أمامها كل عام للنظر في فضائلها وآثارها وكيفية أدائها وهذه العناصر الخمسة ليست نظرية، بل عملية فالمطلوب منك وبعد قراءة هذه الكلمات مباشرة أن تبادر إلى العمل كيما تحصل على النتيجة -بإذن الله عز وجل-.

وعناصرنا الخمسة كما يلي:

1- التعرف على قدر الصيام: وهذا بدوره يثير الشوق في القلب لإحسان الاستقبال والتأهب للقاء.

2- التعرف على قدر رمضان: وهذا يملأ القلب تعظيما له، ويظهر ذلك على الجوارح اجتهادا في القربات، واتقاء للمخالفات والحرمات.

3- التعرف على معنى الصيام: المعنى الإيماني التربوي لا اللغوي أو الفقهي فحسب، وهذا يؤدي بالعبد إلى مقام الإحسان بالحرص على الإتقان فيورثه ذلك صوما مقبولا -بإذن الله-.

4- التعرف على أحوال السلف: اجتهادا في الصيام وحرصا عليه ثم تجويدا وصيانة له، وهذا يدفع العبد للمنافسة، ويشعل في قلبه حب المجاهدة ويمنحه بعد رمضان المداومة.

5- التعرف على صفة صوم النبي -صلى الله عليه وسلم- وهديه في الصيام؛ بتعلم أحكام الصيام وآدابه كركن من أركان الإسلام وهذا يورث العبد صوما صحيحا.

تلك خمسة كاملة، من خلالها -إن شاء الله- يكون لهذا الرمضان طعم جديد، يكون له أثر بعد رحيله -إن شاء الله عز وجل-.

ولنتناول العنصر الأول بشيء من التفصيل:

“التعرف على قدر الصيام”: وهنا يتبادر في الذهن ما ورد في حق الصيام من فضائل وما له من ميزات، ولكن لابد وقبل كل ذلك أن نتساءل: ما هو أعظم أمر يدل على قدر الصيام ويوضح أهميته؟ كلنا يتبادر إلى ذهنه كما قلت فضائله! لكني أقول لك: إن أعظم أمر يدل على أهمية الصيام ويوضح قدره أنه ركن من أركان الإسلام: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان) متفق عليه.

فدينك لا يقوم إلا بهذه الأركان، ومن انتقص شيئا منها فدينه ناقص أو زائل. صيام رمضان فرض.. ركن من أركان الإسلام ثم يأتي بعد ذلك ما ورد في حقه من فضائل.

نعم.. استحضار العبد ذلك في قلبه يجعل للعبادة طعما آخر.. ولونا جديدا -بإذن الله عز وجل-.

لذلك فإن من الوظائف التي تسبق شهر رمضان مطالعة ما ورد في فضل الصيام لإثارة كوامن الشوق في القلب لإحسان استقباله والتأهب للقائه.

إذا تصورنا الآن أنه بعد أيام يقبل علينا ضيف كريم وكما يقول الناس: “رمضان كريم”، حقا ضيف معه الكثير من الهدايا وله الكثير من الفضائل والميزات.. شهر يلقاه العبد محملا بالذنوب فلا يخرج منه إلا وقد غفر له ما تقدم من ذنبه، شهر يرفع درجات العبد في الجنة، شهر تؤدى فيه عبادة لا تؤدى إلا فيه في السنة كلها “فريضة”.

تلك العبادة: من أحب الأعمال إلى الله، بل هو لا عدل له، فعن أبي أمامة -رضي الله عنه- أنه سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أي العمل أفضل قال عليك بالصوم فإنه لا عدل له) رواه النسائي، وصححه الألباني، وفي رواية صحيحة: (لا مثل له).

تلك العبادة: من ختمت حياته بها دخل الجنة، (من صام يوما ابتغاء وجه له ختم له به دخل الجنة) رواه أحمد، وصححه الألباني.

تلك العبادة: تشفع لصاحبها يوم القيامة (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يقول الصيام رب إني منعته الطعام والشراب بالنهار فشفعني فيه ويقول القرآن رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان) رواه أحمد والطبراني، وصححه الألباني.

تلك العبادة: ينفرد العبد بسببها بالدخول من باب الريان (لا يدخل منه أحد غيرهم) متفق عليه، أي: الصوام.

تلك العبادة: وقاية وحماية من عذاب الله -عز وجل- (الصوم جنة من عذاب الله) رواه أحمد والبيهقي، وصححه الألباني.

تلك العبادة: من شرفها أن الله أضافها لنفسه فقال: (الصوم لي) متفق عليه.

تلك العبادة: التي هي من شعار هذه الأمة يوم القيامة (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك) متفق عليه، بل ذهب الحافظ ابن حجر -رحمه الله- أن الخلوف أعظم من دم الشهيد؛ لأن دم الشهيد ريحه ريح المسك والخلوف أطيب من ريح المسك.

تلك العبادة: تكون سببا في تكفير السيئات (فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره يكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) متفق عليه.

تلك العبادة: فتحت للعبد بابا لاستجابة الدعاء (ثلاث دعوات مستجابات دعوة الصائم، ودعوة المظلوم، ودعوة المسافر) رواه البيهقي، وصححه الألباني.

تلك العبادة: سبب لصلاة الله وملائكته على العبد (إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين) رواه أحمد، وحسنه الألباني.

وهذا غيض من فيض، ولو رحنا نعدد فضائل الصيام ومميزاته ما وسعنا ذلك في هذه الصفحات، لكنها إشارة توقد في القلب الهمة للمطالعة لتحصيل هذه الثمرة من العنصر الأول ألا وهي التأهب للقاء وإحسان الاستقبال.

وأترك لك أخي القارئ المجال لتطبق هذا العنصر بمطالعة ما ورد في فضل الصيام لتحصيل المزيد من الشوق، وذلك بالنظر فيما كتب عن ذلك ككتاب: “ري الظمآن في فضل الصوم وشهر رمضان” لشيخنا المفضال/ سيد حسين العفاني

-حفظه الله-، أو غير ذلك من الكتب التي تحدثت عن فضل الصوم وقدره، وكما قلت لك كلماتنا عملية لا نظرية. وإلى اللقاء مع العنصر الثاني في المقال التالي -إن شاء الله-.


 

الجزء الثاني

وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

فلئن كانت هذه الآية المباركة تتحدث عن استحسان الهدي الذي يقربه العبد لربه -عز وجل-، فإنها بلا شك يدخل فيها تعظيم الحرمات واجتنابها، تعظيم الأوامر وإتيانها، فمن امتلأ قلبه تعظيما لله وخوفا من الوقوع في محارمه وتعدي حدوده، وحرصا على تنفيذ أوامره فإن ذلك علامة على تقوى قلبه.

ومن هذه الشعائر التي ينبغي أن تعظم:

شهر رمضان المعظم،

إذ قد خف ميزان كثير من المسلمين في هذه الأيام، نعم هناك صحوة وهناك إقبال على الطاعات والقربات ربما أفضل وأحسن عما كان الحال قبل ذلك، لكن “نحو المعالي”، ولا يشبع المؤمن من خير يعمله حتى يدخل الجنة.

ولذا كانت هذه الكلمات خطوة على طريق الانتفاع برمضان، وتحصيل لذة الصيام وسائر العبادات فيه.

أحبتي في الله:

سبق في مقال لنا في هذه السلسلة: “تذوق حلاوة الصيام”، الحديث عن قدر الصيام كوسيلة من وسائل خمسة للانتفاع برمضان… لنعيش رمضان بطريقة جديدة وطعم جديد عن الرمضانات السابقة -بإذن الله-.

أما الوسيلة الثانية فهي: “التعرف على قدر رمضان”، وكما تساءلنا في المقال السابق عن أعظم شيء يدل على قدر الصيام، فهنا نتساءل ونقول: ما هو أعظم أمر في نظرك يدل على قدر رمضان؟؟

إن أعظم شيء يدل على فضل رمضان ويبين قدره أنه الشهر الذي يؤدى فيه الركن الثالث من أركان الإسلام، الشهر الوحيد الذي فرض الله صيامه على هذه الأمة ومرة واحدة كل عام، ولك أن تتصور لو أن الصلاة التي نصليها خمس مرات يوميا كانت مفروضة مرة واحدة في العام فكيف سيكون الاستعداد لها والقيام بها؟؟

لا شك أنك ستكون في قمة الاستعداد لها، وعلى أعظم اشتياق إليها ثم ستحرص على إخراجها في أحسن هيئة؛ لأنها فرض يؤدى مرة واحدة في العام.. فذلك الحال في رمضان.. فرض نؤديه مرة واحدة في العام، ركن من أركان الإسلام لا يأتي إلا مرة واحدة فكيف يكون الاحتفاء به وتعظيمه؟!

ثم أمر آخر:

العبد وهو في الصلاة فهو في عبادة منذ التكبير وحتى التسليم فلا يلتفت ولا يتكلم ولا يأكل ولا يتابع مثلا مسلسلا أو مباراة كرة!! فكذلك الحال في رمضان أنت من طلوع الفجر إلى غروب الشمس في عبادة، وإن كان كن هناك ثم فرق بينها وبين الصلاة، لكن أنت في عبادة على كل حال؛ فكيف يليق بعابد أن يسب أو يشتم أو يقلب نظره في المحرمات؟ فإذا استشعر العبد أنه منذ الفجر وحتى المغرب في عبادة؛ لزم جناب الحشمة وتحفظ وتحرز مما لا يليق بالعابد.

وأمر ثالث يبين قدر رمضان:

وهو أنه شهر عظمه الله وفضله على سائر الشهور كما في قوله -صلى الله عليه وسلم-: (ما أتى على المسلمين شهر خير لهم من رمضان ولا أتى على المنافقين شهر شر من رمضان وذلك لما يعد المؤمنون فيه من القوة للعبادة وما يعد فيه المنافقون من غفلات الناس وعوراتهم هو غنم والمؤمن يغتنمه الفاجر) رواه أحمد، وصححه العلامة أحمد شاكر.

ويؤكد ذلك ما ورد في شأن رمضان واختص به رمضان دون سائر الشهور من أنه شهر نزل فيه القرآن، بل (نزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان) رواه أحمد، وحسنه الألباني.

ولك أن تتصور معي كل الكتب وقد نزلت في ذلك الشهر، ألا يدل ذلك على قدره وفضله؟؟!!

ثم إن النافلة فيه ليست كالنافلة في غيره إذ من السنة الاجتماع على التراويح في رمضان والمداومة على ذلك، دون غيره، ولهذه الصلاة فضل عظيم إذ (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه.

بل المحافظة على هذه الصلاة تدخل العبد في زمرة الأكابر؛ كما في الحديث: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الصلوات الخمس وأديت الزكاة وصمت رمضان وقمته فممن أنا قال من الصديقين والشهداء) رواه ابن حبان والبزار، وصححه الألباني.

بل يكتب للقائم بقية ليلته؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني.

وتجتمع في رمضان أمهات الطاعات الصلاة والصيام والزكاة والقرآن والدعاء والصدقة والعمرة وإطعام الطعام وغير ذلك.

وفيه أسباب كثيرة للمغفرة والعتق من النار، فقد رتب النبي -صلى الله عليه وسلم- المغفرة على الصيام والقيام، قيام ليلة القدر كما في الصحيحين، فهذه ثلاث فرص لمغفرة ما تقدم من ذنبك، وفي شهر واحد، لتبدأ صفحة جديدة، فيا لها من فرصة ثمينة.

ولكي تدرك قدرها قف مع نفسك الآن وقفة صادقة. نعم، لا تكمل القراءة، توقف وأمسك قلما وورقة أو آلة حاسبة لتقف على تفصيل قوله -صلى الله عليه وسلم-: (ما تقدم من ذنبه) كم هي؟؟ في كل يوم أو في كل ساعة، كم عدد الذنوب؟ وكم هي متفاوتة؟

تأملها وتفكر فيها، واستحضر في قلبك الآن أنه بعد أيام يقبل عليك شهر المغفرة تتخلص بفضل الله -تعالى- من ذلك الحمل الثقيل، وإن كان الجمهور على أن التي تكفر هي الصغائر فبإمكانك الآن وبتوبة صادقة مستوفية لشروطها أن تتخلص أيضا من حمل الكبائر لتدخل في رمضان وتخرج منه إنسانا جديدا.

ثم في رمضان أيضا ما ليس في غيره، ففيه ليلة القدر وليلة القدر (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ)(القدر:3)، أي ما يزيد على 83 سنة عبادة خالصة صافية، فلو أنك قمت ثلاثين أو أربعين ليلة “في عمرك المحدود” لصار عمرك كله أكثر من ثلاثة آلاف سنة!!

لذلك قال فيها -صلى الله عليه وسلم-: (من حرم خيرها فقد حرم) رواه النسائي، وصححه الألباني، وفي رواية: (من حرمها فقد حرم الخير كله ولا يحرم خيرها إلا محروم) رواه ابن ماجه، وقال الألباني: حسن صحيح، يا ترى من يتحمل ذلك؟!!

ومن يدرك منا قدر هذه الليلة؟ ساعات تستدرك فيها ما فات من عمرك! ساعات تضاعف فيها الأعمال بالآلاف والمئات… ولا نتوسع فذلك يأتي في مقال قادم -إن شاء الله-، “كيف تفوز بليلة القدر”؟

لكن هذه الليلة وبكل هذه الفضائل في شهر رمضان، فكيف يكون قدر ذلك الشهر؟ ومن عظمته وقدره أيضا تلك التغيرات التي تحصل بسبب قدومه وكأنها انقلاب كوني، فأبواب السماء تفتح ويستجاب الدعاء، وأبواب الجنة تفتح، وأبواب النار تغلق، والشياطين تسلسل وليست هذه المناقب لشهر آخر سوى رمضان، ألا فارتقب ذلك في أول ليلة من رمضان، (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب وينادي مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة) رواه الترمذي، وصححه الألباني.

فمن أراد الطاعة في هذا الشهر فسبيلها ميسور، فأقبل بكل عزيمتك لاسيما وقد سلسل عدوك الأكبر فمتى تنتصر على نفسك إن لم تستغل تلك الفرصة؟ متى تروضها؟ متى تطوعها لله -عز وجل-؟؟ فرصة وأي فرصة!!

أيضا في رمضان ثلاثون فرصة للعتق من النار، (إن لله تعالى عتقاء في كل يوم وليلة لكل عبد منهم دعوة مستجابة) رواه أحمد، وصححه الألباني، وفي رواية: (إن لله عند كل فطر عتقاء وذلك في كل ليلة) رواه ابن ماجه، وقال الألباني: حسن صحيح. وأي فرصة للعبد مثل هذه الفرصة؟؟ اللهم أعتق رقابنا من النار.

ولك -حتى يقع منك هذا الحديث موقعه- أن تقرأ رسالة مختصرة عن النار تعرف ما فيها وتدرك قيمة العتق منها، ولتكن رسالة الحافظ ابن رجب -رحمه الله- “التخويف من النار”، وكذا تفعل نفس الفعل بالنسبة للجنة مع رسالة ابن القيم -رحمه الله- “حادي الأرواح”، وحينها تدرك قيمة العتق، وقيمة القرب، فتسارع للطاعات وتجتنب المحرمات.

وبعد،

أراني قد أطلت وخاصة في العنصر الأخير -بيان الفضائل- لكنني فعلت ذلك لأسألك أخي: بعد كل هذه الفضائل والخصائص، ماذا تقول فيمن لا يصلح في رمضان؟

ماذا تقول فيمن يقيم على كبائره وذنوبه في رمضان؟؟!!

يقول العلماء: “إذا ضعف الداعي وتم الفعل عظم الوزر، وإذا قوي الداعي وتم الترك عظم الأجر”، واستدلوا لهذه القاعدة بقوله -صلى الله عليه وسلم-: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر) رواه مسلم، فهؤلاء الثلاثة قد انعدمت أو ضعفت لديهم دواعي المعاصي فلما واقعوها عظمت العقوبة، وفي المقابل فمن السبعة الذين تحت العرش: (رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله) متفق عليه، وكذا الحال في رمضان؛ المعصية في رمضان ليست كمعصية في غيره.

من عصى الله في الحرم ليس كمن عصاه في بيته، ومن جاهر بذنبه ليس كمن ستر نفسه، كيف يعظم الله رمضان ويستهين به العبد؟! كيف يعظم الله رمضان ولا يوفيه العبد قدره؟! كيف تعرض عليه كل هذه الفرص ويوليها ظهره؟!

لذلك كله استحق أن يقال فيه: (بَعُد من أدرك رمضان فلم يغفر له) رواه الطبراني، وقال الألباني: صحيح لغيره، و(من أدرك رمضان فلم يغفر له فأبعده الله) رواه الطبراني وابن حبان، وقال الألباني: صحيح لغيره، و(من أدرك رمضان ولم يغفر له فدخل النار فأبعده الله) رواه ابن حبان، وقال الألباني: حسن صحيح، ورغم أنفه، و… كل ذلك دعاء عليه من جبريل -عليه السلام- سيد الملائكة وأمَّن عليه محمد -صلى الله عليه وسلم- سيد الرسل، بل سيد البشر، فمن يحتمل هذه الدعوة؟!

ليس لك أخي سوى مخرج واحد: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)(الحج:32).

وتلك التقوى هي الغاية أيضا من الصيام (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).

فهل نعظم رمضان؟ وهل نلزم جناب الحشمة فيه؟ وهل نعمره بما يحبه الله ويرضاه؟ وهل يكون منا تحفظ وتحرز عما لا يحبه ولا يرضاه؟

هذا ما نرجوه ونتمناه من الله، ومقالنا القادم -إن شاء الله- “أول مرة أصوم”.

share