نظرة شرعية فيما سبق من الأحداث

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وآله وصحبه ومن اهتدى بهداه …

أما بعد :

فالأمة العربية الاسلامية تمر هذه الأيام بأحداث عصيبة وعسيرة ؛ حصلت فيها تغيرٍات كبيرٍة طالت بعض الرؤساء والأنظمة الظالمة ، والملحدة أحيانا ، وقد تابع الناس أحداث تونس ومصر ثم الآن ليبيا وسوريا واليمن وغيرها ، وذلك بكل اهتمام ومتابعة ، وقلوبهم معلقة بآمال كبيرة وكثيرة على حصول تغيرات جوهرية نحو الأفضل والأحسن ، ولكن لا يزال المستقبل مجهولا ، وما يدري المسلمون ماذا سيحصل في بلادهم وأنظمتهم ؟! ولله الأمر من قبل ومن بعد !

وفي خلال هذه الأحداث تداول كثيرٍ من الشباب أسئلةٌ كثيرةٌ ، وجرى بينهم نقاشٌ طويل وعريضٌ عبر مجالسهم ونواديهم ، وعبر قنوات الاتصال الحديثة ، كرسائل الجوال ، والمواقع الاجتماعية المختلفة ، كالموقع الشهير (الفيسبوك) و ( التويتر ) و( غوغل ) وغيرها ، وكذلك عبر المجموعات البريدية الالكترونية ، بعلم أحيانا كان الجدال ، وبغير علم أحيانا كثيرة ؟!!

يتساءلون فيها عن مشروعية الاحتجاجات الجماعية وجدواها ، وهل هي صورة من صور الخروج على الحاكم ؟ وما الموقف الصحيح منها ؟ ولماذا لا نرى بعض الرموز الدعوية تشارك فيها وتقود المسيرة ؟ وهل هذا خطأ منهم أو صواب ؟ 
فنقول وبالله نستعين :
 
يقول الله تعالى : ( إنّ الله لا ُيغير ما بقومٍ حتى يُغيروا مابأنفسهم وإذا أراد الله بقومٍٍ سوءً فلا مردّ له ومالهم من دونه من والٍ ) الرعد : 11.

فلله تعالى سنناً لا تتغير ، وقوانين لا تتبدل : قال سبحانه ( وإن يعودوا فقد مَضَت سنة الولين ) الأنفال : 38 .
وقال ( سُنّة الله التي قد خََلت من قبلُ ولن تجد لسنّة الله تبديلاً ) الفتح : 23.

فالله عز وجل لا يغير ما بقوم حتى يغيروا مابأنفسهم ، بمعنى : أن الله تبارك وتعالى إذا أنعم على قومٍ بالأمن والعزة والرزق ، والقوة والتمكين في الأرض ، فإنه سبحانه وتعالى لا يزيل نعمته عنهم ، ولا يسلبهم إياها ، إلا إذا بدّلوا أحوالهم ، بأن نركوا الشكر وكفروا بأنعم الله تعالى ، ونقضوا عهده ، فتركوا طاعته ، وارتكبوا ماحرم عليهم ، وظلموا أنفسهم .

هذا عهد الله وميثاقه ( ومن أوفى بعهده من الله ) ؟! فإذا فعلوا ذلك لم يكن لهم عند الله عهدٌ ولا ميثاق ، بل تجَري عليهم سنّة الله التي لا تتغير ولا تتبدل ، فإذا بالأمن يتحول إلى خوف ، والغنى يتبدل إلى فقر ، والعزة تؤل إلى ذلةٍ ، والتمكين إلى هوان ، والاجتماع إلى تفرق وتشرد .

قال سبحانه عن أهل حرمه فكيف بغيرهم ؟! قال ( وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباسَ الجوع والخوف بما كانوا يصنعون * ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون ) النحل : 112-113.

والمتأمل اليوم في حال أمة الإسلام وماأصابها من الضعف والهوان ، وما سلط عليها من الذل والصغار على أيدي أعدائها ، بعد أن كانت بالأمس أمة مهيبة الجناح ، مصونة الحقوق ، ليرى بعين الحقيقة السبب في ذلك كله ، يرى أمةً أسرفت على نفسها كثيراً ، وتمادت في طغيانها أمداً بعيداً ، واغترت بحلم الله وعفوه ، وحسبت أن ذلك من رضى الله عنها ، ونسيت أن الله يمهل ولا يهمل ، وما الأمة إلا مجموعة أفراد من ضمنهم أنا وأنت . 
 تجول أيها المسلم في ديار الإسلام _ إلا من رحم الله _ وأخبرني ماذا بقي من المحرمات لم يرتكب ؟! وماذا بقي من الفواحش لم يذاع ويعلن ؟! فالربا صروحه في كل مكان قد شيدت وحصنت ، حرباً على الله ورسوله ، والزنا بيوته قد أعلنت وتزينت في كل شارع وناصية ؟! والسفور قد حل محل الستر ، والخنا قد حل محل الطهر والعفاف .

والخمر ( أم الخبائث) صارت لها مصانع ومتاجر ؟؟! 
المعروف أصبح منكراً ، والمنكر غدا معروفاً .

ارتفع الغناء ( صوت الشيطان) ووضع وخفض القرآن ( كلام الرحمن ) عزفت المعازف جهارا في البيوت والأسواق ، بل والمدارس والجامعات ؟! وتجملت وصدحت القيان ( المغنيات ) في المحافل والإذاعات والفضائيات ؟!

حُكمٌ بغير ما أنزل الله الرحيم الرحمن ؟ وبقوانين ما أنزل الله بها من سلطان .

وقبل ذلك كله تخلى أئمة المسلمين عن الجهاد ، وركنا إلى الدنيا ، وتبايعنا بالعينة ، وتتبعنا أذناب البقر .

أفبعد هذا نرجوا نصر الله وعزته وتمكينه ؟!! 
أبعد هذا نتساءل لماذا حلّ بنا هذا الهوان ؟! 
أفبعد هذا نستغرب ما أصابنا من الذل على أيدي أعدائنا من شرار الخلق ، من اليهود والنصارى والمجوس والهندوس والبوذيين وغيرهم ؟! 
 نعم والله ، إن الله لا يغير مابقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم .. إننا لن نخرج مما نحن فيه من الذل والصغار ، ولن ننال العزة والكرامة إلا إذا عدنا إلى ديننا ، وتمسكنا بإسلامنا .

فكما قال الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه : نحن قومٌ أعزنا الله بالإسلام ، فإن ابتغينا العزة بغيره ، أذلنا الله .

أخي الكريم : إن الأمة لن تتغير إلا إذا تغير أفرادها ، إلا إذا غيرت أنا ، وغيرت أنت ، وهو وهي ، إذا غيرنا أسلوب حياتنا إلى ما يوافق شرع الله ودينه ، وقلنا لربنا : سمعاً وطاعة ، واتبعنا هدي نبينا عليه الصلاة والسلام ، كما أمر الله عزوجل ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) .

عندها نصبح أفراداً وأمة أهلاًً لموعود الله تعالى ، بأن يغير الله ذلنا إلى عزة وضعفنا إلى قوة وهواننا إلى تمكين .

أما مسألة الخروج على الحاكم المسلم  ، الذي أقام في المسلمين الصلاة ، ولم يروا منه كفراً بواحاً، فمنهج أهل السنة والجماعة واضح في تحريمه ، ولو جار أو ظلم ، ولو استأثر بالأموال لخاصة نفسه ، لحديث أم سلمة رضي الله عنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم : ” ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون ، فمن عَرف بريء ، ومن أنكر سلم ، ولكن مَن رضي وتابع ” قالوا : أفلا نقاتلهم ؟ قال : ” لا ، ما صلوا ” . رواه مسلم ( 1854).
وكما في حديث عوف بن مالك رضي الله عنه : عن النبي صلى الله عليه وسلم : ” خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ، ويصلون عليكم وتصلون عليهم ، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم ، وتلعنونهم ويلعنونكم ” قيل : يا رسول الله ، أفلا ننابذهم بالسيف ؟ قال : ” لا ، ما أقاموا فيكم الصلاة ، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه ، فاكرهوا عمله ، ولا تنزعوا يدا طاعة ” رواه مسلم ( 1855) .

ولحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : دعانا رسول الله فبايعناه ، فكان فيما أخذ علينا ، أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا ، وعسرنا ويسرنا ، وأثرة علينا ، وأن لا ننازع الأمر أهله ، إلا أن تروا كفراً بواحاً ، عندكم من الله فيه برهان ” رواه الشيخان .

وقد كان هناك خلافٌ قديم بين السلف في حكم الخروج على الحاكم الظالم الجائر ، ثم استقر أمرهم على حرمة الخروج ، نص على ذلك أهل العلم قديما وحديثا ، منهم القاضي عياض ، ونقله الأمام النووي كما في شرح مسلم (11/433) ، وكذا شيخ الاسلام ابن تيمية في منهاج السنة (4/529) ، والحافظ ابن حجر ، وأئمة الدعوة ، وغيرهم ، وهو الحق إن شاء الله ، وهو إجماع منهم .

وأما من أظهر الكفر البواح ؛ وهو الظاهر المعلن ، الذي دلت نصوص الشرع عليه صراحة ، فقد أجاز العلماء الخروج عليه بشرط القدرة على ذلك ، حتى لا تُسفك الدماءٌ المعصومة ، وتزهق الأرواحٌ البريئة بغير فائدة ، قال الإمام الشيخ ابن باز رحمه الله : ” لا يجوز الخروج على السلطان إلا بشرطين : أحدهما : وجود كفر بواح عندهم من الله فيه برهان . 
والشرط الثاني : القدرة على إزالة الحاكم إزالة لا يترتب عليها شرٌ أكبر منه) (مجموع فتاوى ابن باز) (8/206) .

وقد عانت الأمة الإسلامية كثيراً من حركات الخروج هذه ، قديما وحديثا ، حيث ذهبت فيها أرواحٌ كثيرة دون طائل ، وأتلفت فيها أملاك ، وزادت الأحوال فيها سوءا.

لكن ليست المطالبة بأداء الحقوق الدينية والدنيوية – ولو كانت جماعية – خروجاً ، ما دام انه لم يصحبه خروج بالسلاح ولا عصيان ، أو مظاهرات واعتصامات ، وما لم يُرتكب فيها محرم كإتلاف الأموال ، وإزهاق الأنفس ، واعتداء على الأمن .
 
وإن كانت هذه المطالبات الجماعية التي اشترك فيها عامة الناس ، المثقفون منهم والعامة ، قد حصل فيها فوضى وشغب ، ومنكرات عديدة : كالتبرجٍ من بعض النساء ، واختلاطٍ مع الرجال ، وصوت للموسيقى في بعض هذه التجمعات ، ورفع راياتٍ عُميَّةٍ ، وأحيانا شعاراتٍ جاهلية ، وأخرى دنيوية بحتة ، وربما شارك فيها أصحابُ أحزابٍ علمانية ، وأتباع دياناتٍ أخرى ، إلى غير ذلك ، مما يقضي بتجنبها ، خصوصا من العلماء وطلاب العلم والدعاة المعروفين .

ويكفي منهم في ذلك التوجيه العام بالخطب والدروس ، وبالبيانات والكلمات ، إلى ضرورة الحفاظ على الأنفس والممتلكات ، وما يحفظ على البلاد أمنها وسلامتها ، وعدم ارتكاب محظورات في أثناء هذه المطالبات .

ولا يجوز أن يسكت العلماء والدعاة في مثل هذه الأحوال العصيبة ، عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والارشاد والتوجيه ، وبيان الخير من الشر ، فالتقاعس عن ذلك والإهمال له ، يتسبب في انفضاض الناس عنهم ، والتماس العلم عند غيرهم ، واتجاههم إلى أصحاب الدعوات الباطلة ؛ من العلمانيين وغيرهم ، لأنهم سيرونهم هم وحدهم الذين وقفوا معهم للمطالبة بحقوقهم المشروعة .

قال الشاعرالحكيم :

ومن يُثني الأَصاغرَ عن مُرادٍ ….. إذا جلس الأكابرُ في الزوايا
 
اللهم هيء لنا من أمرنا رشدا ، اللهم ردنا إليك ردا جميلا

والله تعالى أعلى وأعلم ،،،

share

0:00
0:00