احكام الاضحية

احكام الاضحية

أبو عبدالله محمود أمين

احكام الاضحية
احكام الاضحية

أولا: تعريف الأضحية:

هي ما يذبح من بهيمة الأنعام أيام الأضحى بسبب العيد تقربا إلى الله تعالى.

ثانيا: حكم الأضحية:

الأضحية من العبادات المشروعة بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين. قال تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)(الكوثر: 2)، قال بعض المفسرين “المراد به الأضحية بعد صلاة العيد”.

وفي الصحيحين عن أنس –رضي الله عنه- قال (ضحى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر قال رأيته واضعا قدمه على صفاحهما ويقول بسم الله والله أكبر (متفق عليه.

وقد ثبتت مشروعية الأضحية في السنة بقوله صلى الله عليه وسلم وفعله وتقريره فاجتمعت فيها أنواع السنة الثلاثة القولية، والفعلية، والتقريرية.

 

يقول ابن قدامة في المغني: “أجمع المسلمون على مشروعية الأضحية”، وقال الحافظ في الفتح (10/5): “ولا خلاف في كونها من شرائع الدين”.

ومع إجماع العلماء على مشروعية الأضحية اختلفوا فيها أواجبة هي أم سنة على قولين:

القول الأول: “أن الأضحية واجبة” وهو قول الأوزاعي والليث وأبي حنيفة ورواية عن أحمد وقول في مذهب مالك واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية واستدلوا بما يلي:

1- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا)(رواه ابن ماجة وأحمد وحسنه الألباني).

2- قوله صلى الله عليه وسلم (من كان ذبح قبل أن يصلي فليذبح أخرى مكانها ومن لم يذبح فليذبح باسم الله) متفق عليه.

القول الثاني: “أن الأضحية سنة مؤكدة” وهو قول الجمهور فذهب إليه الشافعية ومالك وأحمد في المشهور عنهما وهو قول إسحاق والمزني وابن المنذر وداود وابن حزم وغيرهم واستدلوا بما يلي:

1- قوله صلى الله عليه وسلم (إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره( رواه الجماعة إلا البخاري، ووجه الدلالة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- فوض الأضحية إلى الإرادة وتفويضها إلى الإرادة ينافي وجوبها إذ الوجوب لزوم لا يفوض للإرادة.

2- صح عن جمع من الصحابة أن الأضحية ليست بواجبة ولم يصح عن أحد منهم أنها واجبة. قال الماوردي “وروي عن الصحابة رضي الله عنهم ما ينعقد به الإجماع على سقوط الوجوب”، وقال ابن حزم –رحمه الله- “ولا يصح عن أحد من الصحابة أن الأضحية واجبة” ومن ذلك ما يلي:

أ- عن أبي سريحة قال: “رأيت أبا بكر وعمر وما يضحيان” رواه البيهقي وصححه الألباني.

ب- عن أبي مسعود الأنصاري –رضي الله عنه- “إني لأدع الأضحى واني لموسر مخافة أن يرى جيراني أنه حتم علي” رواه البهيقي وصححه الألباني.

ج- روى البخاري معلقا عن ابن -عمر رضي الله عنه- قال “هي سنة ومعروف”، قال الحافظ: وصله حماد بن سلمة في مصنفه بسند جيد إلى ابن عمر، وروى عنه أيضا أنه قال “لعلك تحسب حتماً قلت: لا ولكنه أجر وخير سنة،قال: نعم”. وقال الترمذي “العمل على هذا عند أهل العلم أن الأضحية ليست بواجبة”.

– لكن صرح كثير من أرباب هذا القول بأن تركها يكره للقادر، حتى إن كثيرا من القائلين بالوجوب علقوا الوجوب على المقدرة، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: “وجوبها مشروط بأن يقدر عليها فاضلا عن حوائجه كصدقة الفطر”.

والراجح: القول الثاني القائل بأن الأضحية سنة مؤكدة غير واجبة، لأن أدلة القائلين ليست قوية في الدلالة على الوجوب، وعليه فالقول قول الصحابة -رضي الله عنهم- وجمهور أهل العلم، ولكن سلوك سبيل الاحتياط أن لا يدعها مع القدرة عليها لما فيها من تعظيم الله وذكره وبراءة الذمة بيقين والله تعالى أعلم.

ثالثا: وقت الأضحية:

الأضحية عبادة مؤقتة لا تجزئ قبل وقتها على كل حال، ولا تجزئ بعده إلا على سبيل القضاء إذا أخرها لعذر.

يقول النووي –رحمه الله- “إذا فاتت أيام التضحية ولم يضح التضحية المنذورة لزمه ذبحها قضاء، هذا مذهبنا وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا تقضى بل تفوت وتسقط”.

أول وقت الذبح:

يدخل وقت التضحية بطلوع الشمس يوم النحر ثم ارتفاعها قدر رمح ومضي قدر ركعتين وخطبة. قال صلى الله عليه وسلم (من كان ذبح قبل الصلاة فليعد) وفي رواية (من ذبح قبل الصلاة فإنما يذبح لنفسه ومن ذبح بعد الصلاة فقد أتم نسكه وأصاب سنة المسلمين) رواه البخاري ومسلم عن أنس.

– فهذا الحديث يدل على أن أول وقت ذبح الأضحية يكون بعد صلاة العيد، وأما من ذبح قبل الصلاة فلم يصب الأضحية وتكون ذبيحة للأكل وليس له فيها ثواب القربة وعليه إعادة الذبح بأضحية أخرى لحديث (من كان ذبح قبل أن يصلي فليذبح أخرى مكانها ومن لم يذبح فليذبح باسم الله) متفق عليه.

– فهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى من كلام أهل العلم “أن وقتها في الموضع الذي يُصلَّى فيه بعد الصلاة لظاهر الخبر والعمل بظاهره أولى، فأما غير أهل الأمصار والقرى فأول وقتها في حقهم قدر الصلاة والخطبة بعد الصلاة لأنه لا صلاة في حقهم تعتبر فوجب الاعتبار بقدرها” انظر الجامع لأحكام الحج ص523.

آخر وقت ذبح الأضحية:

الصحيح أن وقت الأضحية يخرج بغروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق فيكون الذبح في أربعة أيام، يوم العيد وثلاثة أيام بعده، ويجوز ذبحها ليلا ونهارا ولم يصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهي عن الذبح ليلا، ولكن إن قصد به الاستخفاء عن الفقراء كره له ذلك.

والذبح يوم العيد وأيام التشريق مذهب الشافعي والأوزاعي وابن المنذر واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد إلى أن الذبح آخره اليوم الثالث من أيام النحر فيكون الذبح عندهم في ثلاثة أيام، يوم العيد ويومان بعده، والصحيح ما ذهب إليه الشافعي والله أعلم لحديث (كل أيام التشريق ذبح)(رواه البيهقي وصححه الألباني).

رابعا: شروط ما يضحى به من بهيمة الأنعام

– الأضحية عبادة وقربة إلى الله تعالى فلا تصح إلا بما يرضاه الله سبحانه ولا يرضى الله من العبادات إلا ما جمع شرطين:

1- الإخلاص لله تعالى.

2- المتابعة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

ولا تكون الأضحية على هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا باجتماع شروطها وانتفاء موانعها، وشروطها منها ما يعود للوقت “ومضى الكلام عليه”، ومنها ما يعود للمُضّحى به وهي أنواع:

الأول: أن يكون ملكا للمضحي غير متعلق به حق الغير، فلا تصح الأضحية بما لا يملكه كالمغصوب والمسروق ونحوه.

الثاني: أن يكون من الجنس الذي عينه الشارع وهو بهيمة الأنعام “الإبل، البقر، الغنم”.

يقول الصنعاني في السبل: “أجمع العلماء على جواز التضحية من جميع بهيمة الأنعام وإنما اختلفوا في الأفضل”، وقال -رحمه الله- أيضا “تم الإجماع على أنه لا يجوز التضحية بغير بهيمة الأنعام”.

يقول النووي في شرح صحيح مسلم “3/124”: “أجمع العلماء على أنه لا تجزئ الضحية بغير الإبل والبقر والغنم إلا ما حكاه ابن المنذر عن الحسن بن صالح أنه قال: “تجوز التضحية ببقرة الوحش عن سبعة، وبالظبي عن واحد وبه قال داود في بقرة الوحش …، والله أعلم”، والدليل قوله تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ)(الحج: 34).

ولكن بعد الإجماع على أنه لا تجزئ إلا بهيمة الأنعام في الأضحية اختلفوا في الأفضل من بهيمة الأنعام. فالصحيح ما ذهب إليه الجمهور من أن الأفضل الإبل ثم البقر ثم الضأن ثم المعز على هذا الترتيب.

– وذهب مالك -رحمه الله- إلى أن أفضل الأضحية الضأن ثم البقر ثم الإبل.

الثالث: بلوغ السن المعتبرة شرعا، وذلك بأن يكون ثنِيِّا إن كان من الإبل أو البقر أو المعز، وجذعا إن كان من الضأن لقول النبي –صلى الله عليه وسلم- (لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن) رواه مسلم، وظاهر الحديث أنه لا تجزئ الجذعة من الضأن إلا عند تعسر المسنة، ولكن حمله الجمهور على أن هذا على سبيل الأفضلية وقالوا: تجزئ الجذعة من الضأن ولو مع وجود الثنية وتيسرها وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم (إن الجذع يوفي مما يوفي منه الثني)(رواه أبو داود وابن ماجة وصححه الألباني). والمسنة: هي الثنية، والثني من الإبل: ما تم له خمس سنين، والثني من البقر: ما تم له سنتان، والثني من الغنم ضأنها ومعزها: ما تم له سنة، والجذع من الضأن: ما تم له ستة أشهر على الصحيح.

الرابع: السلامة من العيوب المانعة من الإجزاء، وفي الحقيقة أن العيوب تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول: عيوب متفق على أنها مانعة من الإجزاء.

القسم الثاني: عيوب مختلف فيها هل هي مانعة من الإجزاء أم لا، وإليك بيان كلا القسمين:

أولا: العيوب المتفق عليها بين العلماء أنها مانعة من الإجزاء

– وهذه العيوب وردت في حديث البراء بن عازب –رضي الله عنه- قال: قام فينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (أربع لا تجوز في الأضاحي) وفي رواية: (لا تجزئ العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والكسيرة التي لا تُنقي) رواه الخمسة وصححه الألباني، ورواه مالك بلفظ (سئل رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ماذا يتقى من الضحايا؟ فأشار بيده وقال أربعا: وذكرها) ولكن قال “العجفاء” بدل “الكسيرة”. فهذه العيوب الأربع لا تجزئ بالإجماع وإليك بيانها:

1- العوراء البين عورها: وهي التي انخسفت عينها أو برزت، فإن كانت عوراء لا تبصر بعينها ولكن العور غير بين أجزأته، ولكن السليمة أولى من ذلك، لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال (البين عورها)، فإن كان غير بين أجزأت، وهذا في كل العيوب الواردة في حديث البراء -رضي الله عنه-.

– يقول الخطابي في معالم السنن: “2/199” “فيه دليل على أن العيب الخفيف في الضحايا معفو عنه، ألا تراه صلى الله عليه وسلم يقول (بين عورها وبين مرضها وبين ظلعها)، فالقليل منه غير بين فكان معفو عنه”.

2- المريضة البين مرضها: وهي التي ظهرت عليها أثار المرض مثل الحمى والجرب الظاهر المفسد للحمها ونحوه.

3- العرجاء البين ظلعها: وهي التي لا تستطيع معانقة السليمة في الممشى فإن كان فيها عرج يسير لا يمنعها من معانقة السليمة أجزأت وغيرها أولى منها.

4- الكسيرة “العجفاء” هي الهزيلة التي لا تنقي: أي ليس فيها مخ في عظامها.

فهذه العيوب الأربع المنصوص عليها، وعليها كافة أهل العلم، قال في المغني “9/349” “لا نعلم خلافا في أنها تمنع الإجزاء”.

– وهل يقاس على هذه العيوب غيرها مما هو مثله أو أشد أم لا؟.

ذهب الظاهرية إلى أنه لا عيب غير هذه الأربعة، وما عداها لا يمنع من صحة الأضحية، وذهب الجمهور إلى أنه يقاس عليها ما كان أشد منها أو مساو لها. يقول النووي في المجموع: “وأجمعوا على أن العيوب الأربعة المذكورة في حديث البراء لا تجزئ التضحية بها، وكذا ما كان في معناها أو أقبح منها كالعمى وقطع الرجل وشبهه”.

ويقول ابن عبد البر في التمهيد “أما العيوب الأربعة المذكورة في هذا الحديث فمجتمع عليها، لا أعلم خلافا بين العلماء فيها ومعلوم أن ما كان في معناها داخل فيها، ولاسيما إذا كانت العلة أبين، ألا ترى أن العوراء إذا لم تجز فالعمياء أحرى ألا تجوز”.

والصحيح ما ذهب إليه الجمهور من أنه يقاس على هذه الأربعة غيرها مما هو أشد منها أو مساو لها ولذلك قاسوا عليها ما يلي:

1- العمياء: التي لا تبصر بعينيها لأنها أولى بعدم الإجزاء من العوراء فأما إن كانت تبصر نهارا ولا تبصر ليلا وهي المسماة بالعشواء فالصحيح أنها تجزئ خلافا للبعض.

2- المبشومة حتى تثلط: لأن البشم عارض خطير كالمرض البين فإذا ثلطت زال خطرها وأجزأت.

3- ما أخذتها الولادة حتى تنجو: لأن ذلك خطر قد يؤدي بحياتها فأشبه المرض البين.

4- ما أصابها سبب الموت كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وأكيلة السبع، لأن هذه أولى بعدم الإجزاء من المريضة.

5- العاجزة عن المشي لعاهة: فهذه لا تجزئ بخلاف العاجزة عن المشي لسمنها فإنها تجزئ لأنها لا عاهة فيها ولا نقص في لحمها.

6- مقطوعة إحدى اليدين أو الرجلين: لأنها أولى بعدم الإجزاء من العرجاء ولأنها ناقصة بعضو مقصود.

فهذه هي العيوب المانعة من الإجزاء وهي عشرة، أربعة منها بالنص وستة بالقياس، قال بها الجمهور خلافا للظاهرية، فمتى وجد واحدا منها في بهيمة الأنعام لم تجز التضحية بها لفقد أحد الشروط وهو السلامة من العيوب المانعة.

share

0:00
0:00